WORKERS DEMOCRATIC TRADE UNION
MOVEMENT
IN THE IRAQI REPUBLIC
صوت
العمــــــــــــــال
صوت
العمــــــــــــــال
الثلاثاء17/ 6 / 2008
تجارب ودروس في الحركة النقابية
في ظروف صعبة ومعقدة ايام النظام الملكي البائد , امتازت الاجهزة الامنية بشراسة عناصرها ضد الشخصيات الوطنية والنقابية , وامتازت بشكل خاص في عمليات المداهمة والمطاردة دون سابق انذار خدمة لمصالح النظام القائم آنذاك , الاقطاعي الخادم الامين والعميل للنظام البريطاني الاستعماري .
لقد كانت الاجهزة القمعية تلك هي احدى العقبات الكبيرة امام نضال الوطنيين من ابناء القوى السياسية الوطنية المناضلة ضد الاستعمار وكذلك ضد العمال النقابيين وممثليهم الحقيقيين الذين كرسوا جل حياتهم من اجل الخلاص من الاستعمار ومن اتباعهم من الاقطاعيين الاشرار .
في تلك الفترة كنت عاملا في الاسواق التجارية في اوائل الخمسينات من القرن الماضي , وقد امتازت الحركة النقابية بنشاطها الكبير وكان من ضمنها الحركة النقابية في معامل الجلود والاحذية , حيث كان في بغداد حينها ثلاث معامل لصناعة الاحذية وهي ( معمل باتا , معمل دجلة ومعمل الفرات ) , وكان العمل يمتاز بنظام القطعة حيث رب العمل يعقد الاتفاق لأنتاج ازواج الاحذية بالقطعة , ولكنه يحاسب العمال بالاجور اليومية ويدفع بشكل اسبوعي حيث يعمل العامل لمدة ( 12 - 14 ) ساعة في اليوم دون تحديد وقت استراحة الغداء وكان يطالب العامل الواحد بانتاج ( 12 ) زوج من الاحذية في اليوم الواحد كي يحتسب له مبلغا زهيدا .
ان هذا النمط من الانتاج كان من اكثر انماط الانتاج قساوة على العمال مما كان يعاني على اثره العامل , الكثير من الاضطهاد والاستغلال الى جانب المعانات الاخرى , وهو ما دفع بالعمال للأنتماء الى النقابات التي كانت عبر سياستها الواقعية الدفاع عن حقوق العمال عبر الحوار مع اصحاب العمل , وقد طرحت النقابة حينها اسلوب على الادارة يمكن ان يخفف من العبء الثقيل الذي يقع على العمال , وذلك بتشغيل العمال لمدة ثمان ساعات عمل في اليوم ولمدة اسبوع او عشرة ايام لمعرفة الانتاج وتقدير رواتب العمال بشكل موضوعي مع الاخذ بنظر الاعتبار ايام العطل والجمعة في ذلك .
جوبهت محاولات النقابة برفض من قبل اصحاب العمل والادارة , مما دفعت النقابة الى تشديد نضالها دفاعا عن العمال وتواصل ذلك من اجل تطبيق قانون العمل , لكن المعروف ان تلك القوانين لاتنسجم مع طموحات الحرفيين من ارباب العمل ولا مع سياسة الادارة , اضافة الى ان الصعوبة كانت تكمن في تلك الفترة بسبب التزام ارباب العمل بنظام القطعة التي تدر عليهم ارباح اكثر ومن دون اي اعتبار لقانون العمل آنذاك .
لقد كان صاحب معمل باتا رجل بريطاني هو الاكثر تشددا ضد قانون العمل مما استرعى ذلك الانتباه , حيث كلفتني النقابة للعمل في ذلك المعمل ,والانتماء الى النقابة التي كان يقودها محمد خلف في سبيل التأثير عليها وتغيير مسارها لصالح العمال من جهة ومن جهة اخرى محاولة منا الاستفادة من الوقت قبل الانتخابات العمالية التي اصبحت قريبة الانعقاد , فتمكنا من رفع سقف المطاليب العمالية والدفاع عن حقوقها الشرعية مما دفع ذلك بالعناصر المعادية معرفة الامر فتحركت في الكتابة عن العناصر النقابية النشيطة وتحريض التحقيقات الجنائية ضدنا , فعلمنا ان هناك شخصا اسمه ( جبار احمد ) وهو وكيل التحقيقات الجنائية بعد فشله في الحصول على موقع في النقابة بدلا من محمد خلف في محاولة منه لقطع الطريق على العناصر النقابية المخلصة في استلام العمل القيادي .
تحركت عناصر التحقيقات الجنائية , قبل واثناء العملية الانتخابية لشعورها لخطورة تحرك النشطين من العمال النقابيين في المعمل ومعهم جبار احمد والبعض من عملائه , لتشخيص الكوادر النقابية النشطة من اجل اعتقالهم وتزوير نتائج الانتخابات , بعد التزوير فاز ت قائمة جبار احمد ومعه عدد من وكلاء التحقيقات الجنائية وبذلك تحول مقر النقابة الى مكان للعب القمار ووكر للعب الكومشن والريسز مما ادى ذلك الى ترك العمال لمقر النقابة والعمل النقابي , وتشكلت لجنة نقابية من الحرفيين معادية لقضايا العمال وقانون العمل .
هذا التطور الجديد دعى بالعمال التفكير بشكل جدي لأيجاد الاسلوب الافضل للدفاع عن العمال وحقوقهم المشروعة , وقد تمكن العمال من فهم الواقع الجديد والتفافهم حول ممثليهم الحقيقيين وقد تجمع عددا من العمال حولنا وكان معنا السيد هادي علوان وهو احد الكوادر النقابية المعروفة والذي كان قد اطلق سراحه من السجن منذ فترة قريبة بعد قضاء محكوميته , قدمت عدة مقترحات حول كيفية العمل وكان معنا احد اصدقاء هادي علوان المقربين منه وهو عبدالقادر العياش حيث شاركنا في المقترحات وتوصلنا الى مقترح تشكيل نقابة ســرية بأسم الهيئة الادارية , وفي اليوم الثاني اجتمعنا في مقهى بشارع الرشيد لتشكيل الهيئة الادارية السرية , وبعدها تحركنا وفق خطة مدروسة على العمال في بغداد ( عمال معمل الدباغة في الكاظمية ) و ( العمال في الاسواق التجارية ) فالتف العمال حولنا وتم توزيع المهام بيننا وطلب مني ان اقدم طلبا الى معمل باتا للعمل هناك , وفعلا قدمت الطلب وتمت الموافقة على طلبي بالعمل في المعمل وبعد اسابيع شكلنا داخل المعمل هيئة ادارية نقابية سرية وكان لها الدور الجيد والمميز والنشاط الملحوظ .
وقد تطور نشاط الهيئة الادارية وطرحت مقترحا في الهيئة الادارية للأنخراط في نقابة جبار احمد وخاصة تكثير انتساب العمال غير المكشوفين من اجل كسب النقابة العلنية الى طرفنا وتغيير موازين القوى لصالحنا داخل النقابة العلنية وقد قدم اعضاء الهيئة الادارية طلب انتماء الى النقابة , فكان جبار احمد مضطرا لقبولنا وقال ( بان قبولكم لحاجة النقابة اليكم وانا لااتمكن من رفضكم كأعضاء في النقابة) , فاراد من ذلك تبييض وجهه امام العمال ليعتبر نفسه ديمقراطي في التعامل مع المخالفين معه , خاصة وان الانتخابات القادمة على الابواب , التي وافقوا عل اجرائها اثر الضغط العمالي في اهمية اجرائها مرة اخرى .
تم تحشيد العمال للمشاركة في الانتخابات فحضر عمال الدباغة وعمال معمل باتا وعمال معمل دجلة وفازت قائمتنا في الانتخابات وخرج جبار احمد من الهيئة الادارية بعد ان خاب ظنه ولم يفوز في الانتخابات .
وقفت الهيئة الادارية الفائزة عند اجور العمال في معمل باتا اولا وتم الكشف عن الكثير من النواقص والاخفاقات والمطاليب العمالية , خاصة ما يهم العمل مثلا وقت الغداء ووسائط نقل العمال من والى العمل وملابس العمل وغيرها من القضايا الاخرى وقد استخلصت الهيئة الادارية الى قرار بتشكيل وفد لمناقشة كل هذه الامور مع ادارة المعمل من اجل ايجاد معالجات لها وتحقيق مطاليب العمال المشروعة والمستحقة .
تم انتخاب ثلاث عمال للتفاوض مع ادارة المعمل فكان اثنين منهم من الهيئة الادارية بالاضافة لي , وقد استقبلتنا الادارة وكان مدير المعمل بريطاني مع ثلاث مدراء فروع , طرحت مطاليبنا على الادارة مما اغضب ذلك المدير ليترك اللقاء والتفاوض ويخرج من الاجتماع ولم نتوصل الى حلول , خرجنا وابلغنا العمال عن ذلك مما اغضب ذلك العمال مطالبين بالاضراب عن العمل وطرح البعض منهم برفض الاضراب داخل المعمل مطالبا بالخروج واستمرار الاضراب , اما القسم الاكبر طالب الاستمرار بالاضراب داخل المعمل , استمر الاضراب لغاية المساء ولم تستجيب الادارة لمطاليب العمال مما ادى ذلك الى الاعتصام واستمرار بقاء العمال داخل المعمل لغاية اليوم الثاني حيث طوقت الشرطة المعمل من كل صــوب , ووصلت رجالات التحقيقات الجنائية , فارتفعت الهتافات العمالية تتزايد وشكلت لجان اضراب داخل المعمل وساندت الجماهير خارج المعمل العمال المضربين واخذت تقدم المعونات الى المضربين من ( الخبز واللبن ) عبر البيوت المجاورة , وقد وردتنا معلومات مؤكدة عن تضامن عمال الزيوت واضرابهم عن العمل وكذلك حدد عمال السكائر والنسيج تأييدهم للأضراب , فحاولت الشرطة مهاجمة المعمل فهدد العمال بحرق المعمل اذا ما هاجمت الشرطة , وفي اليوم الثاني بعد الظهر خضعت الادارة لأرادة العمال على تحقيق قسم من المطاليب ومنها توفير سيارات نقل وتحديد ساعة واحدة للغداء , وزيادة اجور العمال , اما باقي المطاليب فتم رفض تحقيقها , وبذلك حقق العمال باضرابهم وصمودهم واتحادهم بعضا من مطاليبهم .
انتهى الاضراب , بعد يوم من ذلك الاضراب , كنت في الباب الشرقي وركبنا سيارة المعمل للتوجه الى العمل وبعد مسافة طلب منا احد العمال بالنزول من السيارة معللا ذلك بوجود رجال التحقيقات الجنائية لغرض القاء القبض علينا وهم ينتظرونا عند باب المعمل , وبالفعل نزلنا من السيارة لنختفي لحين سقوط النظام والغاء امر القاء القبض علينا .
ابو هشـــــــــــــــام