WORKERS DEMOCRATIC TRADE UNION
MOVEMENT
IN THE IRAQI REPUBLIC
صوت
العمــــــــــــــال
صوت
العمــــــــــــــال
الخميس 8/ 5 / 2008
يوم لن ينسى
في ذلك اليوم البغدادي المشمس، وانا ابن الثمان سنين. طلب مني والدي ان البس افضل ما عندي كي ارافقه . كان يردد فرحا مزهوا.. اليوم عيد.. انه عيدنا.. انه.. الاول من ايار. لم اكن اعي ماهو الاول من ايار، ولكنني شعرت بالسعادة تغمرني اسوة بكل من نلتقيه، حيث يأتون مهنئين بعضهم. وعندما يأتي احدهم لتهنئة والدي، يقبلني ويقول كل عام وانت بخير. كنت، كل ذلك الوقت وطيلة الطريق الى بغداد اتصور بان هذا العيد سيكون شبيها بالاعياد الاخرى، عيدي رمضان والاضحى، مثلا. حيث سألعب بالمراجيح واحصل على قليل من النقود (عيدية). ولكنني لم أرَ شيئا من ذلك، بل رأيت الاكثر. والذي سيبقى خالدا في الذاكرة.
اثناء سيرنا شاهدت قوافل العمال تأتي تباعا وبصفوف منتظمة، وكل مجموعة تتقدم بيافطة كبيرة معلنة عن النقابة التي تنتمي اليها والمدينة القادمة منها. حاملين الاعلام والشعارات.... حناجرهم تصدح بالاهازيج و (الهوسات) الشعبية مصحوبة بالدبكات التي تميز هذه القومية او الطائفة عن غيرها من ابناء هذا الوطن الواحد الموحد.. انه حقا كان يوم الطيبة والكرم. كان اهل بغداد الطيبون يسقون هذه الحشود الماء، وكانت السعادة بادية على وجوههم وفي عيونهم، كأن الارض لا تسعهم من شدة الفرح.
كان لكل نقابة شيء يميزها عن غيرها بطريقة الاحتفال. من خلال ما تستعرضه امام هذه الحشود الكبيرة من انتاجها او نوعية وماهية عملها وباسلوب شيق وجميل يفوق كل وصف. فمثلا تقدمت النقابة التي ينتمي لها والدي (نقابة العمال الزراعيين) بمجموعة من العاملات، وكنت اعرف اغلبهن، كن يخبزن الخبز ويوزعنه على تلك الحشود، كما كن يحلبن الابقار ويوزعن حليبها او يستخرجن الزبده من خلال الهز المتواصل لكيس اسود من الجلد (الشكوة).... وكانت مجموعات اخرى تحوك واخرى تنسج وواحدة تغزل.... الخ. لقد كان ذلك اليوم هو الاول من أيار عام (1959) انها تظاهرة المليون عراقي. لقد كان يوم الفرح.. يوم التآخي والتلاحم الوطني.. يوم الانسان العامل.. باني الوطن وحامي اقتصاده. حقا كان عرسا عراقيا بكل المقاييس، لم ير العراقيون ولن يروا له مثيلا حتى يومنا الدامي هذا.
في تلك الايام تأثرت بشخصيات نقابية مهمة ترتبط بعلاقات حميمية مع والدي، مثل طالب الصفار وخلف لعيبي وخالي عبد الكريم الخالدي، بسبب دفاعهم المستمر عن حقوق العمال وتواضعهم الجم وتفانيهم في سبيل الاخرين وابتعادهم كليا عن الكسب المادي الرخيص الذي يميز البعض.
كما تأثرت كثيرا في اوائل السبعينيات بقائدين كبيرين هما صادق جعفر الفلاحي الذي كان ياتي لزيارتنا. كنا نبقى ولساعات طوال، مشدودين لاحاديثه التي لاتمل، عن الوفود التي شارك فيها، والبلدان التي زارها. واتذكر كيف كان يحدثنا عن زيارته لمصر ضمن وفد نقابي، وكيف تمكن العمال التقدميون المصريون من ترتيب لقاء معه دون علم الوفد او الجانب المصري. كان يتحدث عنهم بإعجاب كبير.
والقائد النقابي الثاني هو عبد الامير عباس- ابوشلال - مرشح (ل م). صاحب الارث النضالي الكبير. في احد الايام من عام 76 على ما أذكر استلمت رسالة ترحيل رفيق اعيد حينها للحزب، يشير في رسالته بأنه يعرف الرفيق أبوشلال. يومها كنت مع الرفيق ابو شلال بحديقة منزله في حي الميكانيك، سأ لته عن ذلك الرفيق، نظر مندهشا، وقال... لماذا تسأ ل عن هذا الشخص، قلت... لانه عاد للحزب. قال لي... أريد أن اخبرك شيئا ارجو ان لا تنساه... ان الشيوعي الذي لايؤثر بمحيطه الصغير- العائلة – غير قادر ولن يتمكن من التأثير على الاخرين أو كسبهم. طلبت منه توضيحاً اكثر. قال ان اولاد هذا الرفيق بعيدون كثيرا عن الحزب واغلبهم منخرطاً في تنظيمات حزب البعث. نعم ايها القائد.. كنت على حق بكل ما قلته.. علينا التوجه اولا لعوائلنا والمحيط القريب منا (المعمل او النقابة، المدرسة او الحي الذي نسكن فيه... الخ). في مسعانا لكسب المؤازرين لنا ولتوسيع قاعدتنا الشعبية في معركتنا من اجل الديمقراطية، سيما وان الانتخابات العمالية على الابواب وكذلك الانتخابات لمجالس المحافظات غير بعيدة، ولا يفصلنا عنها سوى خمسة شهور لا أكثر.
رحمان الخالدي