WORKERS DEMOCRATIC TRADE UNION
MOVEMENT
IN THE IRAQI REPUBLIC
صوت
العمــــــــــــــال
صوت
العمــــــــــــــال
الخميس 8/ 5 / 2008
ألأول من أيار- في ذاكرة اجيال
الأول من أيار يعني لي الكثير.ليس على صعيد الاحتفال به كعيد للطبقة العاملة، بل ما حصل لنا كعائلة عمالية كادحة من نقلة نوعية في حياتنا. فأبي كان عاملاً في السكك وقد كافحَ من أجل توفير متطلبات عائلة كبيرة.
وفي سنة 1959 وتحديداً في بداية شهر نيسان انتقلنا إلى دار جديدة عصرية، كانت بالنسبة لي قصراً قياساً للدار القديمة التي كنا نسكنها والتي تسمى بالقبور. لأنها كانت تتكون من غرفة واحدة وسطحها على شكل قبة، ولا يوجد فيها لا ماء ولا حمام ولا مرافق ولا مطبخ. أما الدار الجديدة فمكونة من غرفتين وطرمة ومرافق وحمام ومطبخ، وقد شيدت بعد انتصار ثورة 14 تموز الخالدة، وسميت بقرية 14 تموز النموذجية وشيدت في أقل من سنة ومجموع دورها مئة دار وتقع في مركز مدينة بغداد، كرادة مريم خلف السفارة الإيرانية، ومن المفارقة أن هذه القرية تقع بين القصور الكبيرة لأغنياء كرادة مريم وصرايف الشاكرية للمعدمين النازحين من قهر الإقطاع.
كان بيتنا قريباً من أكبر نقابتين عماليتين في العراق هما نقابة السكك ونقابة النفط،، وكان أخي الكبير صبحي عبد الله المشهداني عاملاً في السكك وعلى الرغم من صغر سنه إلا انه كان أحد نشطاء الحركة النقابية في نقابة السكك مع رفاقهِ الآخرين، وبالأخص الشخصية النقابية النشطة والمحبوبة القائد النقابي المرحوم علي شـكر.
كانت نقابة السكك من أنشط النقابات هي ونقابة النفط، كانت تقوم بنشاطات جماهيرية كبيرة ومتعددة ولم تكن حكراً على عمال السكك وأبنائهم. بل تعدتها لتشمل كل الشرائح الاجتماعية الأخرى.وأبناء مناطق الصالحية وكرادة مريم وكمب الأرمن وعلاوي الحلة والدوريين ومناطق أخرى. ووجودي اليومي فيها أثر على وعيي الطبقي.
كانت نشاطاتها، رياضية وثقافية واجتماعية، وكان مقرها كخلية نحل وملتقى المئات......بل الآلاف
من العمال وأبناء المنطقة والمناطق ألأخرى. حيث يمارسون فيها هواياتهم ويشاهدون الأفلام ويتمتعون بأجمل العروض الفنية (حفلات ساهم بها آنذاك أشهر المطربين والمطربات)وكذلك العروض المسرحية التي كانت تقام على مسرحها.
وقد شكلت النقابة آنذاك فرقاً رياضية وفنية وثقافية، وكان فريق نقابة عمال السكك لكرة القدم والفرق الأخرى نواة لمنتخباتنا الوطنية لاحقاً. فعلى صعيد كرة القدم فقد لعب للفريق مشاهير نجوم الكرة العراقية أمثال عبد كاظم وباسل مهدي ولطيف شندل وستار جواد وأحمد سكك وكثير من النجوم.
بعد انتقالنا للدار الجديدة وبحكم ذهابي ومجيئي من والى المدرسة كنت أشاهد الاستعدادات الكبيرة لنقابة عمال النفط وأتابع باهتمام ورغبة صبياً يشاهد لأول مرة مثل هذه الاستعدادات في النقابتين النفط والسكك، وكانت فرحتنا نحن الصبية لا توصف وكنا نقلد الكبار بالاستعدادات. نجلب سعف النخيل والأوراق الملونة ونعمل منها أشرطة للزينة ونزين بها واجهات الدور كانت النقابتان تتنافسان للاستعداد للأول من أيار فنقابة النفط تعمل وبهمة عمالها ومهندسيها لإقامة نموذج مصغر على شاحنة نقل لمصافي النفط في الدورة بمواصفات كاملة وبحجم أصغر ومزودة بمولد كهربائي لإنارة النموذج وكان نموذجاً رائعاً. وكذلك كان عمال نقابة السكك ومهندسوها يعملون وبهمة لتحقيق نماذج للقاطرات والعربات ومزودة أيضا بمولدات لإنارة النماذج بإنارة أبهرت أبصارنا لجمالها وكان أجمل النماذج القاطرة البخارية.
كما أن النقابتين شكلتا فرقاً موسيقية وفنية ومسرحية محمولة وراجلة، ومن الذكريات الحلوة مسؤولية الوالد لتجميع فرقة للرقص، رقصة الجوبي والساس(المبارزة)، كنا صبية نتابع الاستعدادات ولا يمر يوم دون أن نزور النقابتين لمتابعة استعداداتهم وكنا نتراهن على من سوف يكون الأول في الانجاز، وأذكر أن نقابة السكك كانت السباقة بإنشاء نماذجها واستعداداتها.
وجاء اليوم الذي كنا ننتظره بفارغ الصبر،فالجميع يقف منذ الصباح الباكر حيث ازدحمت نقابة السكك بحدائقها وممراتها والشارع المقابل لها بجماهير تقدر بالآلاف.وابتدأ الموكب بالسير باتجاه جسر الجمهورية للعبور إلى الباب الشرقي، ازدحمت بغداد وشوارعها بالمواكب، كان عرساً...عيداً وكرنفالا رائعا أمتزج فيه الغناء والرقص والموسيقى والأهازيج وهلاهل النسوة تصدح لكل موكب يمر، الجميع كان بأحلى وأبهى زينتهم وبملابسهم الشعبية للتعبير عن التنوع القومي والمناطقي.
لقد تميز الاحتفال بالمشاركة الواسعة ولم يقتصر على العمال لوحدهم بل تعداهم ليشمل كل فئات الشعب عمالاً وفلاحين، طلبة وموظفين نساءً ورجالاً وأطفالاً ومن كافة مكونات شعبنا العراقي القومية والدينية. دام الاحتفال يومين ليلاً ونهاراً. كانت الحناجر تصدح بالشعارات المطلبية والداعمة للجمهورية، وأذكر شعاراً كان يردد بكثرة وهو (عاش الزعيمي......عبدالكريمي......حزب الشيوعي بالحكم مطلب عظيمي)
كان احتفالا فريداً من نوعه لم تشهده بغداد منذ تأسيس الدولة العراقية الحديثة، نظمته وأشرفت عليه كوادرنا العمالية والفلاحية والنسوية والطلابية والشبابية عملت جميعاً وبدعم من الحزب الشيوعي العراقي لإنجاح هذا العيد وإظهاره بأبهى صورة وأرقى تنظيم.
لطيف المشهداني