للاتصال بنا مواقعمن قانون العملنقابيون في الذاكرةشهداء خالدونمن تاريخ الحركةمقالات وتحقيقاتبيانات برامجنا وأهدافناالصفحة الرئيسية 

WORKERS DEMOCRATIC TRADE UNION MOVEMENT
IN THE IRAQI REPUBLIC

                                                 

صوت
العمــــــــــــــال

                

صوت العمال .. موقع حركة العمال النقابية الديمقراطية في الجمهورية العراقية...المقالات فيه تعبر عن اراء اصحابها

 

 

صوت
العمــــــــــــــال

                

الخميس 8/ 5 / 2008

من تاريخ الحركة

 

 

 

 

                                                      

                                                   

                                                      أول أيار 1959 في البصرة


 

لقد مرت أشهر على ثورة14 تموز المجيدة. أشهر من الفرح والتفاؤل، وأمن وأمان لم تشهده مدننا العراقية. كل شيء كان جديدا: طباع الناس، مزاجهم، تضامنهم، تحاببهم. وجاءتنا كلمة جديدة "مسيرة" الأول من أيار. لقد تعودنا على كلمة تظاهرة. الرجال، والنساء تهرع بعدها مسرعة إلى بيوتها، ولا تفتح أبوابها لمن يطرقها. سيارات الشرطة التي كانت تطارد المناضلين أصبحت أليفة، وصارت تحمي نفس المناضلين الذين كانوا يتظاهرون ضد القانون، واليوم يحتفلون والقانون يحميهم. رجال الأمن الملثمون الذين كانوا يتصيدون المتظاهرين، أو يصورونهم، أو يتبعونهم خلسة إلى بيوتهم، لم تعد لهم تلك الجرأة.
كنا نسكن في بيت يطل على الشارع الموازي لنهر العشار فكان لنا موقع ممتاز، ومكان مميز، نحسد عليه، لرؤية كل مسيرة، وكل احتفالية. يوم سجل علينا "الأمن" ملاحظة عند زيارة الملك إلى البصرة إننا كنا "البالكون" الوحيد، الذي لم يصفق، ولم "يطش" الواهلية على موكب الملك فيصل الأول. واليوم لم يمنعنا أبي كعادته من الانحناء على المحجر الذي يدعي دائما انه قد ينهار ونقع على الأرض. لعله لم يعد يخاف تقارير رجال الأمن، والشرطة، ولم يعد يخشى أن يأتي زوار الليل بحثا عن إخواني بعد كل تظاهرة ضد السلطة، أو كل أضراب يسانده أخوتي، وأخواتي الأكبر مني. ولربما أخذه الزهو، وهو يرى أبناءه وبناته يتصدرون تظاهرات العمال، وهم يرفعون الأعلام الحمراء واللافتات المهنئة بعيد العمال العالمي. في مدينة العمال، والموانئ، والنفط، والنخيل، والنضال، والإضرابات. ولأول مرة نرى تنانير الخبازين تنتقل إلى أسطح اللوريات الكبيرة، وعمال المخابز، والأفران يرمون الصمون، والخبز الحار إلى الناس المصطفة على جانبي الشارع، وهؤلاء يتلقفونه بفرح غامر ونشوة صادقة، ويبادلهم الناس "بطش الواهلية" على المشاركين في موكب المسيرة. كانت هناك نماذج من ورش كل الحرف محمولة على أسطح الشاحنات. حتى القصابين حولوا سيارات البيكب، واللوريات إلى سوق للقصابين يتحرك بين الناس، ويوزع قطع اللحم الملفوفة بجريدة "اتحاد الشعب" على الجماهير المحتشدة. لأول مرة نرى "ماء السبيل" في أول أيار. الماء البارد أمام كل بيت، واللوريات المتحركة توزع الماء، والمشروبات الأخرى المنعشة على المحتفلين بأول أيار.
كل شيء كان جديدا: أبي لم يمنعنا من التجمع، ولم يعترض وهو يرى أختي الكبرى تنزع عباءتها، وترقص في الشارع مع غيرها من بنات الرابطة. السعف الذي كنا نراه أيام أعياد الميلاد يزين أبواب بيوت وكنائس المسيحيين هاهو اليوم يطرز أسطح السيارات، واللوريات، وأبواب العراق كله. ذلك اليوم لم نسمع "كانة" معمل توما للنجارة المجاور لبيتنا. لم يكن أول أيار بعد، عطلة رسمية لكن الكل خرج ليحتفل: النجارون، والصباغون، وعمال البناء، والميناء، والمعلمون، والطلاب، والكسبة، والأطباء، والمهندسون، والفلاحون يلوحون بمساحيهم ومناجلهم. لم تكن هناك شريحة، أو مهنة غير ممثلة في المسيرة. حتى "تومان"* كان حاضرا بفيفرته الجميلة. الخشابة، والدگاگات، وفرق الأعراس. فرح بصري عجيب، كسلة جديدة. هلاهل وأغانٍ شعبية وهوسات وهتافات سياسية، وحمامات السلام البيضاء تطلق بين الحين والآخر لتضيف جوا بهيجا آخر. وكأنني اليوم ارقب من "محجر" البيت تلك الألوف من البشر الراقصة الهاتفة للعمال وعيدهم، للثورة ومنجزاتها، للزعيم وأهدافه، للعراق وشعبه، لحزب فهد وشهدائه وأبطاله. ستعود تلك الجموع المؤمنة بعراق حر ديمقراطي وشعب آمن سعيد لتحتفل بأيار بسعف النخيل، وطبول الجبال. وسيعود لوطننا فرحه بعد القضاء على انفلات التعصب والسلاح.
 

                                                                                                                                             رزاق عبود